ملتقى التأثير المدني في لقائه الثامن عشر: "لبنان دولة المواطنة.. تحدّيات التواصل والإعلام"
Wednesday, 18-Feb-2026 11:48

واصل "ملتقى التأثير المدني" مسار "الحوارات الصباحيّة" الشهريّة، فعقد قبل ظهر اليوم لقاءه الثامن عشر في فندق "جفينور – روتانا" في الحمرا، تحت عنوان: "لبنان دولة المواطنة: تحدّيات التواصل والإعلام"، بمشاركة نخبة من الشخصيات الأكاديمية والإدارية والقانونية والدستورية والثقافية والفكرية، إلى جانب قضاة وضباط متقاعدين وإعلاميين وناشطين في المجتمع المدني وأعضاء الهيئة الإدارية والمدير التنفيذي للملتقى.

 

استُهل اللقاء، الذي قدّمته الإعلامية دنيز رحمة فخري ونُقل مباشرة عبر منصّات التواصل الخاصة بالملتقى، بالنشيد الوطني اللبناني، تلاه عرض وثائقي تعريفي عن "ملتقى التأثير المدني"، ثم وثائقي حول اللقاء السابع عشر الذي حمل عنوان: "لبنان دولة المواطنة: الكيانية اللبنانية في ماهيتها".

 

في كلمته، شدّد عضو مجلس إدارة الملتقى المهندس الياس الحويك على أنّ لبنان يواجه اليوم "تحديًا مركزيًا لا يقل خطورة عن أي تحدٍ سيادي أو دستوري، يتمثّل في إدارة الفضاء التواصلي والإعلامي في مرحلة تتكاثر فيها الأزمات وتتشابك السرديات وتضيع الحقائق". 

 

وأكد أنّ إعادة تنظيم هذا الفضاء على أسس مهنية وأخلاقية ومسؤولة تُعد شرطًا أساسيًا للنهوض الوطني.

 

وأشار إلى الإشكالية المحورية المتمثلة بدور الإعلام في بناء دولة المواطنة أو تقويضها، قائلاً: "كما أنّ السيادة لا تتجزّأ، كذلك الحقيقة لا تتجزّأ. ولا دولة من دون خطاب وطني جامع، وإعلام مهني مستقل يسهم في إنتاج وعي عام نقدي، لا في تسطيح العقول أو تسييس الوقائع".

 

وختم بالتأكيد أنّ قيام الدولة في لبنان يقتضي الخروج من منطق اللادولة، قائلاً: "لا دولة واحدة من دون قرار واحد وشرعية واحدة وجيش واحد، ولا دولة حقيقية من دون تواصل وإعلام يحترمان الحرية والحقيقة والكرامة الإنسانية".

 

 

من جهتها، رأت ميسّرة الحوار الإعلامية أوغيت سلامة أنّ الانتقال إلى دولة المواطنة في لبنان هو تحدٍّ بنيوي يتجاوز الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية ليطال الثقافة السياسية والخطاب العام، مؤكدة أنّ دولة المواطنة "لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل عبر تواصل عام وإعلام مسؤول".

 

ولفتت إلى أنّ الإعلام اللبناني لا يزال في مربع الاستقطاب، إذ ساهم في تكريس الحرية من جهة، لكنه كرّس أيضًا سرديات متناقضة نتيجة الانقسام السياسي. وتساءلت عن مدى مسؤولية الخطاب الإعلامي في المساهمة ببناء الدولة بدل الاكتفاء بنقد شوائبها.

 

وأشارت إلى تفاقم هذه الإشكاليات مع التحول الرقمي السريع وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تراجعت الضوابط المهنية لصالح السرعة والإثارة، ما فتح المجال أمام التضليل والأخبار الزائفة والسرديات الهوياتية الضيقة.

 

كما ربطت بين أزمة الإعلام وأزمة الثقة العامة، معتبرة أنّ المواطن اللبناني المثقل بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية بات ينظر بريبة إلى الخطاب الإعلامي والسياسي معًا. ومن هنا، شددت على مسؤولية النخب السياسية والإعلامية والأكاديمية في إعادة صياغة خطاب المواطنة وتوسيع دائرته خارج الأطر النخبوية، داعية إلى تكامل أكبر بين الإعلام والجامعات ومراكز الأبحاث والمجتمع المدني.

 

وختمت بالتأكيد أنّ التحدي الأساس يكمن في تحويل الإعلام من أداة لإدارة الانقسام إلى رافعة لبناء دولة المواطنة، عبر إنتاج خطاب جامع وعقلاني ومستدام يعيد الاعتبار للسياسة كإدارة رشيدة للشأن العام.

 

 

بدوره، عرض البروفسور باسكال مونان ورقة عمل تناول فيها التناقض بين نجاح اللبنانيين في الاغتراب وعجزهم عن إقامة دولة حديثة قائمة على المواطنة في وطنهم، بعد 106 سنوات على إعلان دولة لبنان الكبير. وقال إن لبنان كحقيقة ثقافية وإنسانية يسطع عالميًا، فيما تبقى دولة المواطنة حلمًا مؤجلًا.

 

وأشار إلى أنّ النصوص الدستورية، ولا سيما المادة السابعة التي تنص على المساواة أمام القانون، تصطدم بواقع تحكمه الطائفية والمحاصصة، حيث تحوّل الموقت إلى دائم، وأُفرغت الدولة من مضمونها المؤسساتي لمصلحة نظام زبائني، ما أدى إلى قيام دولة عاجزة عن تلبية تطلعات أبنائها.

 

ولفت إلى أنّ الإعلام، بوصفه سلطة رابعة، يتأثر بدوره بالنظام الطائفي ويخضع لضغوط سياسية واقتصادية، فضلًا عن تغليب منطق السوق والتسطيح، لكنه يبقى قادرًا على لعب دور محوري في دعم مشروع دولة المواطنة عبر تعزيز الشفافية والمساءلة ونشر ثقافة الحقوق والواجبات.

 

كما عرض تجربة "مرصد الوظيفة العامة والحكم الرشيد" في جامعة القديس يوسف كنموذج عملي لتعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد، من خلال حملات توعوية ومبادرات تشاركية، منها "كلّنا ضدّ الفساد"، والمساهمة في مبادرة "إعادة تكوين إدارات ومؤسسات الدولة 2030" الهادفة إلى تحديث الإدارة العامة على أسس الكفاءة والشفافية.

 

واقترح مجموعة خطوات إصلاحية لتفعيل دور الإعلام في دعم دولة المواطنة، أبرزها تحديث قانون الإعلام، إنشاء هيئة ناظمة مستقلة، تنظيم حملات توعية، وتطبيق فعّال لقانون الحق في الوصول إلى المعلومات.

 

وخَلُص مونان إلى أنّ قيام دولة المواطنة لم يعد خيارًا بل ضرورة وجودية للبنان، بوصفها المدخل للخروج من الأزمات وبناء دولة عادلة سيدة قائمة على المساواة وسيادة القانون.

 

واختُتم اللقاء بنقاش مفتوح بين الحضور والمتحدثين.

الأكثر قراءة